اليوم العالمي لاضطراب ما بعد الصدمة: بين الذاكرة والألم والتعافي
اليوم العالمي لاضطراب ما بعد الصدمة: بين الذاكرة والألم والتعافي
في عالمٍ تتكرر فيه التجارب الصعبة والأحداث المفاجئة، يأتي اليوم العالمي لاضطراب ما بعد الصدمة ليذكِّرنا بأن بعض الجراح لا تُرى، لكنها تُعاش يوميًّا. فهناك من ينجو من الحدث… لكنه يظل عالقًا في أثره.
اضطراب ما بعد الصدمة هو حالة نفسية قد تظهر بعد المرور بتجربة مؤلمة أو مهدِّدة للحياة، مثل الحوادث أو العنف أو الحروب. ووفقًا لـ منظمة الصحة العالمية، فإن نحو 3.9٪ من الناس حول العالم قد يعانون هذا الاضطراب في مرحلة ما من حياتهم، رغم أنَّ معظم من يمرون بتجارب صادمة يتعافون مع الوقت.
يظهر هذا الاضطراب بطرق مختلفة، لكن من أبرز ملامحه أنَّ الذكريات المؤلمة لا تبقى في الماضي، بل تعود بشكل متكرر ومزعج، سواء عبر كوابيس أو استرجاع مفاجئ للأحداث. كما قد يميل الشخص إلى الابتعاد عن الأماكن أو المواقف أو حتى الأحاديث التي تعيد له تلك التجربة، في محاولة لحماية نفسه من الألم. وإلى جانب ذلك، يعيش كثيرون حالة من التوتر المستمر، كأنهم في حالة تأهب دائم حتى في غياب الخطر.
ولا يقتصر تأثير الصدمة على المشاعر فقط، بل يمتد ليؤثر في طريقة التفكير والإحساس بالعالم. فقد يشعر المصاب بصعوبة في فهم مشاعره أو التحكم بها، أو يفقد إحساسه بالأمان والارتباط بالآخرين. وفي بعض الأحيان، تظهر الأعراض جسديَّا مثل اضطرابات النوم أو الإرهاق المستمر، وقد تتداخل مع القلق أو الاكتئاب.
ورغم عمق هذه التجربة، فإنَّ التعافي ممكن. وتشير الأدلة العلمية إلى فعالية عدد من العلاجات النفسية، من أبرزها العلاج المعرفي السلوكي الموجَّه للصدمة (TF-CBT)، وإزالة التحسس وإعادة المعالجة بحركات العين (EMDR)، والعلاج بالتعرُّض المطوَّل (Prolonged Exposure)، حيث تساعد هذه الأساليب الأفراد على التعامل مع الذكريات المؤلمة بشكل آمن ومنظّم، وتقليل شدَّة تأثيرها مع مرور الوقت.
وإلى جانب العلاج المتخصص، هناك خطوات بسيطة قد تدعم التعافي، مثل الحفاظ على الروتين اليومي، وممارسة نشاط بدني خفيف، والاهتمام بالنوم، والتحدث مع شخص موثوق عند الشعور بالاستعداد. هذه الخطوات لا تُغني عن العلاج، لكنها تساعد في استعادة التوازن تدريجيًّا.
كما يبقى للدعم الإنساني دور لا يمكن تجاهله. فوجود شخص يستمع دون حكم، أو بيئة تشعر الفرد بالأمان، قد يكون نقطة التحول في رحلة التعافي. ولهذا، فإنَّ نشر الوعي وتقبُّل هذه الحالات في المجتمع ليس خيارًا، بل ضرورة.
في هذا اليوم العالمي، نتذكَّر أنَّ اضطراب ما بعد الصدمة ليس ضعفًا، بل استجابة إنسانية لتجربة قاسية. وأنَّ التعافي لا يعني نسيان ما حدث، بل القدرة على العيش بعده بسلام.
تاريخ النشر:
2026-06-27 12:59:37
عدد المشاهدات:
12